عمر السهروردي
229
عوارف المعارف
ثم العلوم والمعارف هي أعيان انقلبت أنوار باتصال إكسير نوع العظمة الإلهية بها ، فانقلبت أعيان حديث النفس علوما إلهامية ، وتصدت أجرام حديث النفس لقبول أنوار العظمة ، فلو لا وجود النفس وحديثها ما ظهرت العلوم الإلهية ، لأن حديث النفس وعاء وجودي لقبول الأنوار ، وما للقلب في ذاته لقبول العلم شيء . وقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ، أشار إلى القلب باعتبار أن للقلب وجها إلى النفس ، باعتبار توجهه إلى عالم الشهادة ، وله وجه إلى الروح باعتبار توجهه إلى عالم الغيب ، فيستمد القلب العلوم المكونة في النفس ، ويخرجها إلى اللسان الذي هو ترجمانه . فظهور العلوم من القلب لأنها متأصلة فيه . فللقب والروح مراتب من قرب اللهم سبحانه وتعالى فوق رتب الإلهام . فالعبد بانقطاعه إلى اللّه تعالى واعتزال الناس يقطع مسافات وجوده ، ويستنبط من معدن نفسه جواهر العلوم . وقد ورد في الخبر « الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا » . ففي كل يوم بإخلاصه في العمل للّه يكشف طبقة من الطباق الترابية الجبلية المبعدة عن اللّه تعالى ، إلى أن يكشف باستكمال الأربعين أربعين طبقة في كل يوم طبقة من أطباق حجابه . وآية يزهد بعد الأربعين في الدنيا ، ويتجافى عن دار الغرور ، وينيب إلى دار الخلود ، لأن الزهد في الدنيا من ضرورة ظهور الحكمة ، ومن لم يزهد في الدنيا ما ظفر بالحكمة ، ومن لم يظفر بالحكمة بعد الأربعين تبين أنه قد أخل بالشروط ، ولم يخلص للّه تعالى ، ومن لم يخلص للّه ما عبد اللّه ، لأن اللّه تعالى أمرنا بالإخلاص كما أمرنا بالعمل ، فقال تعالى وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ « 1 » .
--> ( 1 ) سورة البينة : آية 5 .